أبو حامد الغزالي

217

تهافت الفلاسفة

والصدور عنه . فكذلك يكفى في تلك الحركة ، الإرادة الكلية للحركة ، ولا تفتقر إلى مزيد . فهذه مقدمة تحكّموا بوضعها . الثالثة : وهي التحكّم البعيد جدا ، قولهم : إنه إذا تصوّر الحركات الجزئية ، تصوّر أيضا ، توابعها ولوازمها ، وهذا هوس محض ، كقول القائل : إن الإنسان إذا تحرّك ، وعرف حركته ، ينبغي أن يعرف ، ما يلزم من حركته ، من موازاة ومجاوزة ، وهو نسبته إلى الأجسام ، التي فوقه وتحته ومن جوانبه ، وإنه إذا مشى في شمس ، ينبغي أن يعلم المواضع ، التي يقع عليها ظله ، والمواضع التي لا يقع عليها ، وما يحصل عن ظله ، من البرودة ، بقطع الشعاع . في تلك المواضع ، وما يحصل من الانضغاط لأجزاء الأرض تحت قدمه ، وما يحصل من التفريق فيها ، وما يحصل في أخلاطه في الباطن ، من الاستحالة ، بسبب الحركة ، إلى الحرارة وما يستحيل من أجزائه إلى العرق ، وهلّم جرّا ، إلى جميع الحواث ، في بدنه وفي غير بدنه ، مما الحركة علة فيه ، أو شرط ، أو مهيئ ومعد ، وهو هوس بيّن ، لا يتخيّله عاقل ، ولا يغتر به إلا جاهل ، وإلى هذا ، يرجع هذا التحكّم . على أنا نقول : هذه الجزئيات المفصّلة ، المعلومة لنفس الفلك ، هي موجودة في الحال ؟ ! ، أو ينضاف إليها ما يتوقع كونه في الاستقبال ؟ ! ، فإن قصرتموه على الموجود في الحال ، بطل اطلاعه على الغيب ، واطلاع الأنبياء - صلوات اللّه عليهم - في اليقظة ، وسائر الخلق في النوم ، على ما سيكون في الاستقبال ، بواسطته ، ثم بطل مقتضى الدليل ، فإنه تحكّم بأن من عرف الشئ عرف لوازمه وتوابعه ، حتى لو عرفنا جميع أسباب الأشياء ، لعرفنا جميع الحوادث المستقبلة ؛ وأسباب جميع الحوادث ، حاضرة في الحال ، فإنها هي الحركة السماوية ، ولكن تقتضى المسبب ، إما بواسطة أو بوسائط كثيرة .